ابن عجيبة

142

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله في شأن اليهود والإنكار عليهم : أَ وَكُلَّما أعطوا عهدا وعقدوه على أنفسهم طرحه فَرِيقٌ مِنْهُمْ ؟ فقد أعطوا العهد أنهم إن أدركوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ليؤمنن به ولينصرنه ، فلما أدركوه نبذوا ذلك العهد ونسوه . وكذلك أعطوا العهد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ألا يعاونوا المشركين عليه ، فنبذه بنو قريظة والنضير ، ولم ينقضه جميعهم بل فريق منهم ، وهم الأكثر ، ولذلك قال : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، فالأكثر هم الناقضون للعهود ، المجاوزون للحدود . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : نقض العهد مع اللّه أو مع عباده من علامة النفاق ، ومن شيم أهل البعاد والشقاق ، والوفاء بالعهد من علامة الإيمان ، ومن شيم أهل المحبة والعرفان . قال تعالى في صفة المفلحين : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * ، ولا سيما عهود الشيوخ ؛ أهل التمكين والرسوخ . فمن أخذ عقد الصحبة مع الشيخ الذي هو أهل للتربية ؛ فليحذر من حلّ العقدة بينه وبينه ، فإنّ ذلك يقطع الإمداد ، ويوجب الطرد والبعاد ، والالتفات إلى غيره تسويس لبذرة الإرادة ، وموجب لقطع الزيادة والإفادة ، ثم إن الانجماع على الشيخ ، وقطع النظر والالتفات إلى غيره هو سبب للكون - كذلك - مع اللّه ، فبقدر الانقطاع إلى الشيخ يحصل الانقطاع إلى اللّه ، وبقدر ترك الاختيار وسلب الإرادة مع الشيخ يحصل كذلك مع اللّه ، ويقدر الوفاء بعهود شيوخ التربية يحصل الوفاء بعهود حقوق الربوبية . فمن كانت غيبته في الشيخ أقوى ، وانحياشه إليه أكثر ، وجمعه عليه أدوم ، كان كذلك مع ربه ، وكذلك التعظيم والأدب ، واللّه يعامل العبد على حسب ذلك . قال الشيخ زرّوق رضي اللّه عنه : ( ولا تنتقل عنه ، ولو رأيت من هو أعلى منه ، فتحرم بركة الأول والثاني ) ، ولذلك كان المشايخ يمنعون أصحابهم من صحبة غيرهم ، بل من زيارتهم ، وأنشدوا : خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به * في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل وحاصل أمر الزيارة لغير شيخه أن فيه تفصيلا : فمن كمل صدقه ، وتوفر عقله ، بحيث إذا زار لا يستنقص شيخه ، ولا الذي زاره ، جازله أن يزور من شاء ، ومن لم يكمل صدقه وعقله ، بحيث إذا زار : إما يستنقص شيخه ، أو الشيخ الذي زاره ، فليكف عن زيارة غير شيخه . وقال محيي الدين بن العربي : ويجب على المريد أن يعتقد في شيخه أنه عالم باللّه ، ناصح لخلق اللّه ، ولا ينبغي له أن يعتقد في شيخه العصمة . وقد قيل للجنيد : أيزني العارف ؟ فقال : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً . وصحب تلميذ شيخا ، فرآه يوما قد زنا بامرأة ، فلم يتغير من خدمته ، ولا أخل في شئ من مرسومات شيخه ، ولا ظهر منه نقص في احترامه . وقد عرف الشيخ أنه رآه ، فقال له يوما :